إكسير التنمية.. أين الحل؟

Asmaa Embaby 16/09/2016 0 40

«التنمية» مفردة مثقلة بحمولات ودلالات توحي بالزيادة والنماء، وتبشر بفهم الواقع على حقيقته، وتدعو لاستثمار موجوداته واستغلال فرصه، من أجل تجاوزه إلى ما هو أفضل، مع التطلع إلى توسيع العائد على المجتمع من ثروات وطنه، وترشيد استخدامها بما يحقق العدالة ويحسن من مستوى حياة الناس صحةً وتعليماً وثقافةً وفناً ووعياً، ويمكّن الحكومات من توظيف ثرواتها الطبيعية والبشرية تحقيقاً لما يخدم مصالح المجموع، لكن الشعارات الكاذبة والتجارب السيئة والمحاولات الفاشلة، ألحقت بهذه المفردة «البريئة» بالغ الضرر حتى ساءت سمعتها، والتبس مدلولها عند المجتمعات التي لم تنعكس نتائجها الإيجابية على حياة أفرادها في كل المجالات، بما يحسن معيشتها ويصقل تجاربها ويمكنها من المشاركة في علوم العصر، وينقلها من موقع الاستهلاك إلى مربع الإنتاج.

وفي المنطقة العربية كان للتنمية قصة حزينة، محيرة، مربكة ومحبطة، فعلى رغم دخول هذه المنطقة «مضمار التنمية»، في وقت مبكر وقبل العديد من الدول المتطورة اليوم، فقد توالت التجارب المتعثرة، وتضخمت الملفات وامتلأت الرفوف بالخطط الخمسية والعشرية على امتداد الرقعة العربية، حتى تحول الفشل نفسه إلى قصة معقدة متداخلة الأسباب، منحرفة المسار ومخيبة النتائج.

وظل السؤال المربك قائماً، وإن جاء بصيغ مختلفة، لماذا فشلت التنمية العربية؟ على طريق البحث عن إجابة لهذا السؤال المعضلة يأتي جهد لافت من الدكتور خضر محمد عبدالرحمن الشيباني، بعنوان: إكسير التنمية، جدلية «التنمية» و«الثقافة» أين الحل.

وتحته عنوان شارح: نحو تأصيل «الثقافة العلمية» في المجتمعات العربية. وقدر ما تستطيعه هذه السطور هو دعوة المهتمين إلى التوقف عند هذه «المحاولة الجادة» لعلها تسهم في فك لغز التنمية المتعثر، فعنوان بهذا الاتساع والشمولية، ليس بوسع كلمات محدودة الوفاء بما تقتضيه مناقشة خطوطه العريضة، ناهيك عن الغوص في تفاصيله لمحاكمة مقولاته أو تحديد مفاصله، بخاصة أن «الجدلية» التي يناقشها الكاتب امتدت لقرنين من الزمان وعلى مساحة العالم العربي كله، بكل ما اكتنفه من تجارب وخالطه من مؤثرات داخلية وخارجية، منذ ما عرف بعصر النهضة العربية، إلى جانب اتساع مسارات تتبع محاولات الفهم والتفسير وتدبر العلل ومعرفة الأسباب ودور المفكرين والمهمومين بقضايا النهضة والتنمية والمشتغلين بالعلم والثقافة.

يسجل الكاتب ملاحظة عامة تؤكد فشل دول العالم الثالث، بصفة عامة، في تحقيق الكفاءة الاقتصادية، واستنبات العلم في بيئاتها واستثمار نتائجه التقنية، على رغم النوايا الحسنة والمحاولات المتكررة: «وعلى رغم اختلاف الموارد وتباين تركيبة المجتمعات وتعدد الأنظمة في دول العالم الثالث، إلا أنها جميعاً كانت حريصة على تفعيل (الخيار العلمي – التقني) ومواكبة متطلبات العصر الحديث، ولكنها في غالبيتها الساحقة – باستثناء حالتين أو ثلاث – فشلت في تحقيق الأهداف المنشودة في نقل مجتمعاتها إلى صفوف المجتمعات القادرة على تحقيق الحدود الدنيا من الكفاءة الاقتصادية والتقنية الفاعلة والحراك العلمي النشط.

وهكذا بعد عقود من الزمن وخطط لا تنتهي في مجالات التنمية وبرامج طموحة في التعليم والتدريب والتصنيع فإن المجتمعات النامية، ومنها المجتمعات العربية، ظلت تراوح مكانها لتجد أن الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة تتسع، وأنها تقف موقف المستهلك الذي يشكو دوماً من ضيم (المنتج) وغزوه الاقتصادي والعسكري والفكري».

وحين يضيّق المؤلف دائرة النظر وينتقل من العام، العالم الثالث، إلى الخاص، العالم العربي، يتبين له أن إشكال التنمية يكمن في «حال العجز عن تفعيل متطلبات النهضة وشروطها، على رغم توافر الأدبيات المرصعة في مدحها والآليات المستوردة لإنتاجها». وفي سبيل البحث عن «العلل» يقوم: «بمحاولة لتقصي طبيعة إشكال التنمية ودواعيه واستجلاء سبل الخروج من مأزقه، وذلك عبر جولة مدروسة نفحص فيها هواجس المثقفين وهموم المفكرين ونقتفي آثارهم لنتعرف على رؤاهم وإحباطاتهم وتأويلاتهم وأطروحاتهم، في محاولة للربط في ما بينها لعلنا نشتم رائحة ذلك الإكسير القادر على نفخ روح الإبداع في خلايا المجتمعات العربية وتوليد نبض الفاعلية في أنسجتها، ولعلنا بذلك نتعرف على «الحلقة المفقودة» التي تعثرت عند حدودها قوافل التنمية، وتبعثرت لغيابها جهود السياسيين والعلماء والاقتصاديين».

وينتهي هذا الرصد لمقولات وأطروحات المثقفين والمفكرين والمشتغلين بالفهم الثقافي والمشكل التنموي العربي إلى نتيجتين: «المشهد الثقافي العربي لم يتغير كثيراً على مدى قرنين من الزمن مما يمثل – كما يرجح المؤلف- جزءاً جوهرياً من الأزمة، أما الحقيقة الثانية فتوضح درجة التوتر والتأزم التي بلغتها (الحال العربية) وهي تبحث عن منفذ إلى نهضة لم تتحقق، وتطرح رؤى تنموية ما زالت في مصاف التخيلات، وتستنجد بمحاولات لم تفلح في الهروب من المأزق الذي أسر الثقافة العربية وقيّد حركتها ففشلت في إحداث النقلة النوعية في حياة الأمة».

هذا التقصي «لإشكال التنمية» وتتبع مواقف المثقفين ورؤى المفكرين استصحب معه أسئلة من نوع: «هل تكمن المشكلة في إمكانات الأشخاص وتأهيلهم أم في النظام السياسي أم في النظام المالي والإداري أم في التعليم ونظم الاقتصاد أم فيها كلها أو ربما غيرها؟» وينتهي الكاتب إلى القول، باطمئنان، «إن المشكلة تكمن في كل ذلك»، لكنه يرجح أن المعضلة في أساسها «مشكلة ثقافية» عانت منها «الحركة النهضوية» على مستوى العالم العربي، إذ بقيت كل الجهود المبذولة بمنأى عن ذلك التحول النوعي «المنشود».

هذه القناعة بأن مشكلة التنمية في العالم العربي أسها ثقافي وجهت البحث إلى إفراغ الجهد في: «استكشاف طبيعة المعضلة الثقافية في التكوين العربي عبر سبر أدبيات الثقافة نفسها، لعلنا نلامس الواقع المحير الذي يكبل الحراك ويذبح الإنجاز».. وينتهي الكاتب إلى أن «المعضلة الأساس التي تعاني منها المجتمعات العربية هي معضلة ثقافية، ولكن الثقافة المطلوبة ثقافة ذات نكهة خاصة ومزايا محددة ومقومات واضحة تحقق الاستجابة اللازمة لطبيعة التحدي القائم وتتوافق مع روح العصر».

قلت إن «إكسير التنمية» محاولة جادة، تستحق الاهتمام، بخاصة أن صاحبها من المهمومين بقضايا التنمية، في مفهومها العام، ومشتغل «بتوطين» العلوم في ثقافة المجتمع، وهو مع ذلك أديب مطبوع أنقذته الفيزياء من أضواء الكلمات الخادعة، وضبطت معانيه معايير العلم التجريبي فأخذ أسلوبه دقة العلم ورونق الأدب. وعلى رغم «انضباط» المنهج العلمي وشروطه ومتطلبات صياغته، إلا أن الدكتور خضر الشيباني لم يستطع «التحرر» من الحرص على فصاحة الكلمة وبلاغة الجملة وسلاسة الترادف واستدراج غواية الاستعارات والكنايات والمقابلات والمتشابهات، ولهذا يصح فيه «أديب العلماء وعالم الأدباء».

 

 

*كاتب سعودي.

[email protected]

 

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

1321
معجب
1876
متابع
603
متابع

أخبارنا على تويتر

حالة الطقس

  • -° C
  • -° F

مواقيت الصلاة

الفجر

-

الشروق

-

الظهر

-

العصر

-

المغرب

-

العشاء

-

كاركتير

#
#

اعلانات

إعلان الراعي
جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق