إيماءات الشفاعة… من «المرجلة» إلى «الهياط»

Asmaa Embaby 18/09/2016 0 15

اعتاد مشاهدو المسلسلات البدوية مشهداً يندر ألا يتكرر فيها، فالكومبارس الملازم لها هو الفنجان الذي يمتنع الضيف من أن يشربه قبل أن يعطيه المضيف ما يرغب به، ليلحقها بعبارة «اشرب فنجانك ولك ما تريد»، ليصبح فنجان القهوة شفيعا لا يرد، وتعد منقصة في حق صاحبه ما لم يلبي رغبة ضيفه بعد أن يشربه.

وتزدحم في المجتمع إيماءات ومقدمات حركية تسبق أي طلب، تكون بمثابة الشفيع الذي لا يرد، وخصوصا في المجتمعات البدوية، مع زحف بعضها لتصل إلى حدود بعض المجتمعات الحضرية، وأصبحت مرتبطة بالمروءة والشجاعة والنخوة، وربما الانتقاص، وهي إيماءات وحركات أصبحت موغلة في الحياة الاجتماعية اليومية، وباتت مادة دسمة للتوثيق اليومي عبر أجهزة الجوال ونشرها من طريق مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا يقل ربط طرف «الغترة» أو الشماغ، الذي يقوم به الطالب في حق المطلوب، ومن المعيب أن يقوم بفكها قبل أن يعطيه مراده، وهي عقدة صغيرة، إلا أن فعلها كبير إلى حد حل المنازعات والقضايا، بيد أن كثيرين يحذرون الإقدام على ربط طرف «الشماغ»، لحساسية الموقف، وهي منقصة لا يرضاها البعض.

وتكررت مشاهد مصورة لمئات الأشخاص وهم يرمون العقال على من يطلبونه بقبول شفاعتهم أو حل قضيتهم، بما يعرف بـ«تنزيل العقال» الذي يمثل الرجولة والقوة والشهامة والكرامة، وهو بمثابة تاج الرجل الذي قدمه بين أقدام شخص فلا بد من أن يعرف قيمته ولا يرفض أي طلب.

وأظهر مشهد مجموعة من الأصدقاء قدموا صفاً واحداً يتوسطهم صديقهم الذي وقع بينه وبين والده خلاف كبير، حال بين لقائهما أعواماً، إذ كان لوالد يرفض أي وساطة أو شفاعة ليعيد علاقته بابنه، فما كان من الأصدقاء إلا أن تجمعوا ليبدأ أحدهم بخطبة مؤثرة، ختموها برمي كل واحد منهم عقاله وشماغه بين رجلي الأب، الذي لم يجد سبيلاً لرفض الشفاعة، التي امتدحها بأنها «غاية في الرجولة والشهامة والأخوة».

ويقدم المعتذر ضمن مجموعة للشخص الذي يطلب السماح والصفح، ويكون على هيئة أسير مكبل اليدين وعقاله حول عنقه، ولا يمكن أن يرتديه ما لم يقم الشخص الآخر بإزالته من عنقه ووضعه من جديد على رأسه، ليكون عنوانا للصفح والتسامح، ويوقع بذلك ضمنيا على انتهاء الخلاف.

وتطورت أدوات الشفاعة مع مرور الزمن، لتصل إلى حدود «الهياط الاجتماعي»، إذ أظهر أكثر من مشهد وثقته كاميرات الجوالات، بعد أن دخل السلاح ضمن أدوات الشفاعة بالقبول، عندما أقدم مدعوون على التهديد بضرب أقدامهم بالرصاص في حال امتنع العريس أو أهله من قبول هدية الزواج الذي يقدمها، وهي ما تعرف بـ«العانية»، ليرضخ في النهاية للقبول وسط توسل المدعوين بعدم الإقدام على هذا التهور، إلا أن المشاهد تنتهي بالسيناريو نفسه، السلاح ينزل، والهدية تقبل.

وبعد أن كانت عبارة «تكفا» كافية لتلبية الطلب، لأنها بحسب العرف الاجتماعي «تهز الرجاجيل»، أصبح السلاح بديلا ناجحا في معظم المواقف، ففي مشهد غريب وضع رجل سلاحاً تحت ذقنه مهددا بإنهاء حياته ما لم يرى عنه صديقه القديم ويسامحه، وبحضور جمع غفير من الناس وترقب حبست من أجله الأنفاس، وقف الصديق وسحب السلاح ورماه بعيداً، واحتضن صديقه الذي أرخص نفسه وحياته من أجل علاقة أرجعها الشفيع المخيف (السلاح).

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق