تلميع صورة النظام من خلال الرياضة

Asmaa Embaby 19/09/2016 0 72

فيما كانت تجرى مفاوضات كيري- لافروف بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في سورية، والذي بدأ سريانه مساء 12 أيلول (سبتمبر)، كان المنتخب الوطني السوري للرجال لكرة القدم ينافس في التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2018 ويسعى للتأهل للمونديال للمرة الأولى في تاريخه. واستهل المنتخب السوري مشواره بخسارة أمام أوزبكستان وتعادل مع كوريا الجنوبية، وسيلاقي الشهر المقبل نظيره الصيني.

وتحقق تلك المشاركات غرضاً سياسياً واضحاً: فريق كرة القدم المنتصر يُلمّعُ صفحة الأسد كزعيم ٍعلماني لا يزال يسيطر على البلاد، في تناقض صارخ مع صورة تنظيم «داعش» الذي يجلد الناس لارتدائهم قمصان فرق كرة القدم، ويحظر التحكيم في المباريات باعتبار تطبيق قواعد الفيفا مخالفة لأصول الشريعة الإسلامية. كما يقوم «داعش» بإعدام الشاب بجريمة مشاهدة مباراة.

بعد يومين من تبني»داعش» مسؤوليته عن اعتداءات باريس في 13-14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، التي استهدفت ملعب كرة قدم وأهدافاً أخرى، وقف مدرب المنتخب السوري لكرة القدم فجر إبراهيم في مؤتمر صحافي في سنغافورة مرتدياً قميصاً عليه صورة الرئيس السوري بشار الأسد. وقال إبراهيم: «هذا رئيسنا ونحن فخورون بذلك (…) إنه يحارب كل الجماعات الإرهابية في العالم، إنه أفضل رجل في العالم، وهو من الداعمين للمنتخب (…) أنا لن أتحدث بالسياسة (…) أنا لا أهتم بفرنسا أو غيرها، أهتم ببلدي فقط».

تلك الحادثة كانت أبلغ مثال لاستثمار نظام الأسد لكرة القدم سياسياً. فالنظام الذي يعاني عزلة دولية منذ اندلاع الاحتجاجات ضده عام 2011 يسعى لكسرها بشتى السبل.

ويصر الأسد على أن سورية ليست دولة فاشلة «طالما أن الحكومة ومؤسسات الدولة تؤدي واجباتها تجاه الشعب السوري». ومن خلال دعم كرة القدم يهدف النظام إلى إظهار أن سورية دولة فيها جيش مسيطر وحكومة تدير ومؤسسات تعمل. وفي الواقع تتركز سيطرة النظام على وسط دمشق ومراكز مدن أخرى.

وتأتي استحقاقات المنتخب في ظل عقوبات دولية على سورية، والتي أسفرت عن تجميد الفيفا 2,250,000 دولار أميركي وفقاً للاتحاد الرياضي العام، أعلى سلطة رياضية في سورية، فيما يعتقد خبراء أن المبلغ المخصص لاتحاد كرة القدم السوري أكثر من ذلك بكثير. ويعمل النظام لإثبات أن هذه الأموال ستذهب فقط لتطوير كرة القدم ولن تستخدم لتمويل النشاطات السياسية أوالعسكرية. ولا يزال حزب البعث، الحزب الحاكم فعلياً، يسيطر على الرياضة، إذ يقوم بتعيين أعضاء الاتحاد الرياضي العام وفقاً لمصادر في الاتحاد.

وعلى رغم شح البيانات، يمكن رسم صورة عن الاستثمار الحكومي في اللعبة الأكثر شعبية في البلاد. وقال رئيس الاتحاد الرياضي العام اللواء موفق جمعة في آذار (مارس) 2015 أن 30 في المئة من موازنة الرياضة ذهبت لكرة القدم وخصص المتبقي لـ28 لعبة أخرى. وأضاف: «نشكر القيادة السياسية والحكومة على الدعم. أصبحت الرياضة سياسة وفناً وحالة وطنية نقدم وطننا الغالي [من خلالها في الخارج] خير تقديم».

ويتحكم الاتحاد الرياضي العام بمفاصل اللعبة من خلال رفض إعطاء اتحاد كرة القدم سلطة مستقلة على موازنته الخاصة. ووجه الاتحاد الرياضي العام اتهامات لاتحاد كرة القدم بمحاولة تشكيل «جمهورية داخل الاتحاد الرياضي» على خلفية حظر الفيفا التدخل الحكومي في شؤون اتحاد الكرة. وتابع جمعة: «الاتحاد الرياضي والحكومة والقيادة السياسية لا تقبل أن يكون اتحاد الكرة تابعاً للفيفا. هذا خارج عن القوانين. إذا كان هناك لوائح من الفيفا على اتحاد الكرة أن يطبقها، فسوف يطبقها. نحن لا نمانع ذلك».

ويركز النظام على أندية محددة غالبيتها في دمشق. فالجيش، بطل الدوري والذي يلعب حالياً في كأس الاتحاد الآسيوي، تدعمه وزارة الدفاع. أما الوحدة حامل كأس الجمهورية، فيرعاه رجل الأعمال الدمشقي محمد حمشو، والمعاقب أميركياً بجريرة أنه «شريك مقرب من ماهر الأسد» شقيق الرئيس السوري. ويُعد تركّز النشاط الكروي في العاصمة دمشق أثناء الحرب بالغ الدلالة، إذ ركز النظام سابقاً الثروة والتنمية والأمن والتعبئة الجماهيرية في دمشق.

ولكن الإنجازات الكروية فشلت في إخفاء دمار الحرب التي قتل فيها مئات الآلاف وهُجّر فيها الملايين واعتُقل مئات الآلاف، بينما تؤكد تقارير دولية أن 90 في المئة من السوريين في عداد الفقراء، في ظل فقدان النظام مساحات واسعة من الأراضي.

عانت فرق كرة القدم السورية من خسائر فادحة، إذ كان يلعب قبل ست سنوات فريقا الكرامة الحمصي والاتحاد الحلبي في بطولات إقليمية عدة. ولكنهما وبعد تدمير مدينتيهما، لم تعد تلك الفرق تنافس على صدارة الدوري المحلي، فالفرق التي كان يوماً يمولها رجال أعمال محليون باتت تعتمد على رعاية الاتحاد الرياضي الذي يسعى للوصول إلى الأموال المجمدة في الفيفا.

ونظراً إلى العلاقة الوثيقة بين كرة القدم والأجنحة العسكرية والأمنية للنظام، فإن الحصول على تمويل الفيفا بعيد المنال. و»تعتقد أوساط في الفيفا أن السلطات السورية لن تستخدم هذه الأموال على نشاطات كرة القدم» وفق خبير كروي من دمشق. «مع السيطرة الكاملة لحزب البعث على الاتحاد الرياضي العام، ومع وجود نوادٍ كالجيش لوزارة الدفاع والشرطة لوزارة الداخلية، سيتردد الفيفا قبل أن يرسل المال لدعم الكرة السورية».

عام 1987، أي بعد خمس سنوات من مجازر حماة 1982، التي دمر فيها الجيش السوري المدينة أثناء قمع «الإخوان المسلمين» وقتل حوالى 40,000 مواطن، قال الرئيس السابق حافظ الأسد أمام ممثلي 17 بلداً ضيفاً مشاركاً في دورة ألعاب البحر المتوسط العاشرة في اللاذقية:

«وكما نريد الأرض [من سورية أن تكون] أرض سلام وصداقة… كذلك نريد أن يكون البحر [المتوسط] بحر سلام وصداقة، تحلق في أجوائه طيور النورس، لا طائرات القتل والتدمير… نريد حوض المتوسط منطقة تكون نواة السلام العالمي، منها تنطلق حمائم السلام لتنتشر في سماء الأرض».

واحتفلت وسائل الإعلام السورية بفوز المنتخب السوري ببطولة كرة القدم في تلك الدورة التي كلفت سورية 300 مليون دولار أميركي كان من الممكن أن تساعد البلاد في الوقت الذي عانت من الانكماش الاقتصادي.

وبعد أربع سنوات، أي عام 1991، حصل حافظ الأسد على ضوء أخضر لمعاودة احتلال لبنان مقابل مشاركة جيشه مع قوات تحالف دولي بقيادة أميركية ضد العراق في حرب تحرير الكويت. ودخل بعدها بأشهر في مفاوضات مباشرة لأول مرة مع إسرائيل في مؤتمر مدريد.

ولجأ بشار لأسلوب أبيه في القمع القاسي ضد معارضيه. وفي منتصف آذار (مارس) 2004، قتلت قوات الأسد نحو 40 كردياً في القامشلي، بعد اندلاع أعمال شغب بين مشجعي كرة قدم أكراد وعرب. وجرح كذلك مئات الأكراد وتعرض 2000 منهم للتعذيب في سجون النظام بعد أن طالبوا بفتح تحقيق في الاختفاء القسري للزعيم السني الشيخ معشوق الخزنوي. وفي حزيران (يونيو) 2005، اندلعت الاحتجاجات الكردية ثانية بعد اتهامات بشأن تورّط النظام في اغتيال الخزنوي.

كما برزت كرة القدم أثناء محاولة النظام إدارة سمعة النظام داخلياً بعد اتهامه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005. وترافق ذلك مع انتقادات محلية لقرارات طاولت إجراءات اقتصادية. وقد حضر الأسد في تلك الأثناء مباريات عدة هتف فيها المشجعون: «ارفع إيدك يا بشار!» وهو طلب دائماً ما استجاب له «الرئيس المحبوب».

ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للأسد عام 2011، كان من بين أول أربعة متظاهرين قتلهم الأمن لاعب نادي الشعلة وابن مدينة درعا محمود الجوابرة، 24 عاماً، ليغدو بعدها أيقونة للتظاهرات السلمية.

واستخدمت قوات الأسد الملاعب الرياضية كمعتقلات وقواعد للعمليات العسكرية. فاستخدم ملعب العباسيين في دمشق، الذي استضاف قداساً للبابا يوحنا بولس الثاني عام 2001، قاعدة عسكرية يطلق منها الصواريخ على المناطق المعارضة في الغوطة.

ولاقى مصير الجوابرة رياضيون آخرون منهم غازي زغيب، رئيس الكرامة والرئيس السابق لفرع حمص لحزب البعث، ولاعب الكرامة أحمد سويدان الذي قتل أثناء قصف الجيش على حمص. وقُتل لاعب الكرامة عبد الرحمن الصبوح في مجزرة في حمص.

و تم التعرّف الى رياضيين بين 55,000 صورة مسربة لجثث 11,000 سجين عُذبوا وقتلوا بشكل منهجي في سجون النظام، في ما بات يُعرف بملف «قيصر». ومن بين الصور ظهرت صورة جثة أياد قويدر لاعب نادي الوحدة، ولؤي العمر لاعب نادي الكرامة.

 

التاريخ يعيد نفسه

تعد إدارة كرة القدم في سورية نموذجاً مصغراً عن إدارة البلاد، فبدلاً من معالجة تظاهرات 2011، يختار النظام الإنكار بداية. وحين يفشل، يلجأ إلى القوة، من دون مكان للاعتذار أو محاسبة أي شخصية أمنية أو عسكرية مسؤولة عن الجرائم التي ما زالت القوات الحكومية ترتكبها ضد السوريين. وبالمثل، فقد مُنعت سورية من المشاركة في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2014 لإشراكها لاعباً بصورة غير قانونية، ولم يتم حتى الساعة مساءلة أحد عن ذاك الخطأ، كما ولم يعتذر أحد. ولكن الإشراف على أو تشجيع الفساد ليس بجديد في الرياضة السورية. فقد واجه الاتحاد الرياضي العام اتهامات بالفساد في العقد الماضي، ومعظمها تم التستر عليه بتدخلات سياسية وندد الفيفا على أثرها بالإجراءات التي اتخذها الاتحاد الرياضي.

وبالطريقة ذاتها التي اتهم النظام بها المتظاهرين المناهضين للأسد بأنهم «مندسون» و «مرتزقة» و «متآمرون»، قال اللواء فاروق بوظو الذي كان يومها رئيس الاتحاد الرياضي العام، إن الذين يذهبون إلى الفيفا للشكوى «متآمرون ضد بلدهم».

يبقى السؤال المطروح اليوم، هل سيستطيع الأسد أن يسير على خطى والده للدخول في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية؟ إذا كان العدو سابقاً هو الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فإن العدو الحالي هو «داعش». وإذا كانت دورة المتوسط 1987 مدخلاً لحافظ الأسد ليعود إلى الساحة الدولية، فهل يكون تأهل المنتخب السوري، لو حدث، إلى مونديال 2018 بوابة لبشار للعودة كذلك؟

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

1321
معجب
1876
متابع
603
متابع

أخبارنا على تويتر

حالة الطقس

  • -° C
  • -° F

مواقيت الصلاة

الفجر

-

الشروق

-

الظهر

-

العصر

-

المغرب

-

العشاء

-

كاركتير

#
#

اعلانات

إعلان الراعي
جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق