رُبّ ضارة نافعة إرباكات جامعة الدول العربية:

Asmaa Embaby 17/09/2016 0 18

بعد مضي أكثر من 70 عاماً على توقيع ميثاق جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1945، وبالنظر إلى تاريخها الطويل والإنجازات السياسية والاقتصادية التي حققتها حتى الآن، نأسف للقول إن تلك الإنجازات لم ترقَ إلى ما يأمله المواطن العربي وبما يليق بمكانة الجامعة. إن الحديث عن قصور الجامعة في تحقيق وحدة عربية شاملة ليس بجديد ويمكن عزوه إلى مجموعة من العوامل الداخلية والتحديات الخارجية. أبرزها تلك العوامل الداخلية النابعة من طبيعة الميثاق مثل نظام التصويت واتخاذ القرارات، حيث تنص المادة السابعة على قاعدة مفادها بأن ما يقرره مجلس الجامعة بالإجماع يكون ملزماً لكل الدول الأعضاء، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله. وقد جاءت هذه القاعدة توفيقاً بين الذين سعوا إلى وحدة عربية حقيقية وأولئك الذين يهتمون بالدفاع عن الاستقلال والسيادة الوطنية.

وهكذا نجد أن من أبرز العوامل التي تعوق فعالية الجامعة وقوة قراراتها هو ذلك الصراع المستتر والظاهر أحياناً بين السياسات القطرية للدول الأعضاء والأهداف والمصالح القومية، خصوصاً في ظل وجود جو من عدم الثقة والحذر والحيطة يشوب العلاقات العربية البينية. عطفاً على ذلك، لا يزال تضخم الجهاز الإداري وتضارب الاختصاصات وقلة الموارد المالية من أبرز المعوقات لأداء أكثر ديناميكية وشفافية للجامعة.

أما التحديات الخارجية فأبرزها اشتعال الحروب في المنطقة وما صحبها من تغير في المشهد الجيوسياسي بدءاً من حرب العراق وإيران والغزو العراقي للكويت ثم الغزو الأميركي للعراق، حيث بدت الجامعة العربية غير قادرة على القيام بأي دور أو التفاعل في شكل إيجابي لمنع تلك الأزمات أو حتى إدارة تبعاتها. واتسم «الشرق الأوسط الجديد» الذي نتج من حرب العراق 2003 بإحياء النزاعات ما دون الوطنية وتغذية النعرات المذهبية أو الطائفية في بعض الدول العربية مثل سيطرة الشيعة على جنوب العراق والسنة على الوسط وإنشاء إقليم كردستان العراق في الشمال بعلم ونشيد وطني منفصل، وكذلك توغل «حزب الله» في لبنان حيث وجد في ضعف الدولة اللبنانية مبرراً لإقامة دولة داخل دولة تأتمر بأوامر الولي الفقيه في إيران، ما يعني أن التمدد الإيراني في لبنان خلق ولاءات خارج حدود الوطن.

وعموماً فإن حالة التشرذم العربي وتأجج الطائفية أدتا إلى أقلمة التعامل مع القضايا العربية وتراجع دور القوى العربية الأساسية، وفتح الطريق أمام قوى إقليمية أخرى لبسط نفوذها في المنطقة مثل تركيا وإيران، بالإضافة إلى تزايد دور الفاعلين من غير الدول على غرار التنظيمات الإرهابية مثل داعش.

أما ثورات الربيع العربي فكشفت بوضوح عن قصور دور الجامعة في مواكبة المد الثوري حيث اكتفت الجامعة بإعلان أن ما حدث في تونس هو شأن داخلي، بل إنها التزمت سياسة الصمت التام تجاه الثورة المصرية! ولم يتغير هذا الموقف إلا لاحقاً مع نجاح الثورة التونسية والزخم الذي اكتسبته الثورة المصرية، حيث أعلنت الجامعة وقوفها إلى جانب الإرادة الشعبية في هذه البلاد. أما في المراحل اللاحقة للثورات العربية فقد اتخذت الجامعة مواقف أكثر جرأة وإن افتقدت آليات التأثير الفعلي في مجريات الأحداث، فقد ساندت قرار مجلس الأمن 1973 المتعلق بحظر الطيران فوق ليبيا وعلقت عضويتها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011. وفي الشهر نفسه اتخذت الجامعة قراراً بتعليق عضوية سورية – التي طالما اعتبرت رمزاً للقومية العربية – وأصدرت الجامعة لاحقاً قراراً تاريخياً بفرض عقوبات اقتصادية على سورية وأرسلت بعثة من المراقبين العرب للإشراف على المفاوضات بين النظام والمعارضة للوصول إلى تسوية سياسية.

وإن كان الربيع العربي قد أبرز أوجه القصور في أداء الجامعة إلا أنه مثل فرصة لتطوير أدائها، حيث تُمثل قرارات الجامعة القاضية بفرض عقوبات والمطالبة بتغيير الأنظمة التفافاً على السياسة التقليدية للجامعة التي طالما كرست مبدأ عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول، وتمهيداً لتغيير أولويات العمل العربي ليشمل الديموقراطية والمشاركة السياسية وضرورة التناغم بين الخطاب السياسي المعلن في الدول الأعضاء والممارسات السياسية على أرض الواقع.

ومع تولي السيد أحمد أبو الغيط أمانة الجامعة وتدشين مرحلة جديدة للعمل العربي المشترك، لا بد من المضي قدماً نحو التكامل الأمنيّ والاندماج الاقتصادي بين الدول الأعضاء والذي لن يتم من دون توافر الإرادة السياسة اللازمة. وفي هذا الإطار نؤكد أهمية امتلاك الجامعة للوسائل التنفيذية لتحقيق هذا التكامل مثل إنشاء محكمة العدل العربية والبرلمان العربي وتشكيل وتحديد مهمات قوة الدفاع العربي المشترك والحالات التي تستوجب تدخلها وكذلك ضرورة الإسراع بإنشاء سوق عربية مشتركة تنشط فيها حركة التجارة البينية العربية وينتقل فيها الأفراد ورؤس الأموال بسهولة عبر الحدود.

أيضاً، لا بد من تحديد مصادر التهديد للأمن العربي وكيفية التصدي، خصوصاً في المستجدات على النظام الإقليمي العربي، فمثلاً تقف الجامعة العربية مكتوفة اليدين أمام تمدد خطر الإرهاب في المنطقة بعد تراجع دور الدولة المركزية في سورية والعراق، وكذلك لم تقدم الجامعة أي مساهمات تذكر لحل أزمة اللاجئين السوريين. عطفاً على ذلك، إن اعتماد الجامعة سياسة ثابتة لدعم التحول الديموقراطي في المنطقة هو ضمان للاستقرار يقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية. أخيراً وليس آخراً، يجب أن تتوازى جهود جامعة الدول العربية بحيث لا تقتصر على الجانب السياسي فقط وإنما تمتد لتشمل القضايا التنموية التي كانت أبرز الدوافع للمطالبة بالتغيير في تونس ومصر ولبييا واليمن وسورية.

 

 

* كاتبة وأكاديمية مصرية

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق