شارع الفن

Asmaa Embaby 14/09/2016 0 103

عندما يشع الفن والذوق والحس الإنساني العميق بكل معاني الجمال، فإنه يعكس ذلك على الأرواح المتلاقية بهجة وسعادة وتذوقاً عالياً لمعاني جمالية إنسانية فقدت منذ زمن. وما شاهدناه عبر الصحف المحلية من فعاليات «شارع الفن» في أبها هو دليل على ذلك، إذ انعكس ذلك الحس الجمالي على الزائرين، وفتح أبواباً لمواهب عدة للمشاركة والتفاعل معها من دون حواجز.

صاحب هذه الفكرة التي أسميتها «فكرة إنسانية بحتة» هو الفنان التشكيلي عوض زارب القحطاني، إذ إنه ترجم فكرته على أرض الواقع بعد موافقة ومساندة أمير منطقة عسير فيصل بن خالد. لقد كنّا في أمس الحاجة لهذه الفعالية لتذكرنا بأشياء جمالية وإنسانية فينا أهملت لفترة طويلة. القصد من هذه الفعاليات ليس الترفيه أو تمضية الوقت، بل هي تحرك شيئاً داخلياً في الإنسان تعلِّمه التأمل في كل شيء في الطبيعة، أولها الألوان وامتزاجها مع بعض في الشجر والطير وزرقة السماء، هذا ما جسدته بعض لوحات المبدعين المشاركين أو رسم شخصيات معروفة تاريخية أو اجتماعية أو علمية لتخلد ذكراهم.

الفن هو ثقافة حضارية تحاكي روح الإنسان الداخلية، وتظهر إبداعاته ومهاراته التي تخاطب كل شيء فيه، فرحه وحزنه وغضبه، ما يجعل الحاضرين يتذوقون هذا الجمال والحس الإنساني الغريزي في ارتباطه مع طبيعته وبيئته الداخلية والخارجية، فكم لوحة وقفنا أمامها يجذبنا شيء ما فيها، ربما بعض اللوحات تحاكي حلماً ما في داخلنا، أو تعبر عن معاني داخلية شعورية لنا لا نستطيع أحياناً التحدث عنها، لذا تجد اللوحات لها قيمة عالية جداً على مر العصور، لأنها تترجم وتعبر عمّا لا يستطع الآخر القيام به، إذن هي عملية إفراغ وجداني عميقة جداً.

فكرة «شارع الفن» جعلت آلاف الزوار يأتون للمشاهدة والمشاركة من جميع مناطق المملكة ودول الخليج، وكأنه عرس بهي للفرح تشاهده في عيون الحاضرين، تجعلهم يتذوقون الجمال والسلام والثقافة واتساع الأفق والرؤية، وهذا الذي نحتاجه في هذه الفترة الزمنية التي تمر بها الدول بحروب ومآسٍ للأسف جعلت ثقافة الكره والعنف والإرهاب هي المسيطرة، بينما هذه الفنون القديمة الجديدة التي عاشتها كل الحضارات الإنسانية ورسمت ونقشت على الجبال والجدران ثقافتها وعاداتها وتقاليدها لكي لا تنسى، وظلت إلى يومنا هذا تخليداً لذكراها، وأيضاً بثت جمال طبيعتهم وحرفتهم وفنونهم التي يفتخرون بها، من خلال ذلك قامت العديد من الدراسات والبحوث تقصي هذه الآثار المنحوتة والمرسومة لتدونها وتحفظها للتاريخ. لذا، إحياء هذه الفنون بكل أنواعها الرسم، والنحت، والتصوير، وغيرها هي دلالات حضارية وثقافية تحاكي النمط الذي نعيشه، وأيضاً تسجل التاريخ الذي نمر فيه، تاريخ وثقافة أفراد في مرحلة معينة وتاريخ وثقافة مجتمع كامل بكل إيجابياته وسلبياته وجمالياته.

العقل والفكر والنفس حينما تعتاد تأمل هذه الجماليات والفنون سيُصبِح لديها نمط تفكيري جمالي يكرس العمق لرؤية داخل النفس وما تشعر به، ما يجعلها تظهره على السطح بألوانها الصاخبة أو الهادئة فتهدأ وتبتهج وتتعلم أن الحياة ليست أسواطاً من التهديد والوعيد والتخويف والتجويع الفكري والعقلي، بل الحياة كطبيعة جميلة تعكس ألوان الطيف ممتزجة برونق فائق الجمال، تجعل الأفراد يعرفون معنى المحبة والسلام والتركيز من خلال تأمل هذه الفنون، فطبيعة الإنسان تشبه طبيعة «الأم الحنونة» كوكب الأرض الذي تزدهر بألوانها المختلفة من الأخضر إلى الأصفر والأحمر والأزرق والأسود، نجد ذلك في الشجر والسماء والأرض والفواكه والنباتات والورود والزهور فكم هي غنية في كل ذلك، هنا نستطيع أن نبتهج لجعل الأفراد يعودون إلى طبيعتهم الجميلة، وتجعلهم ليني القلب متسامحين، تحرك مشاعر المحبة والجمال والتذوق العالي التي حتماً ستنعكس على ثقافة الاختلاف والتنوع والتأمل والعمق الإنساني في كل شيء، ابتداءً من جماليات النفس إلى الطبيعة والأرض والوطن.

 

[email protected]

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق