لولا الفتوى الخمينية

Asmaa Embaby 18/09/2016 0 68

قال سلمان رشدي علانية ومن دون تردد: الفتوى الخمينية أصبحت ورائي. وفي معظم الحوارات الصحافية التي أجراها أخيراً، غداة صدور روايته الجديدة «سنتان وثمانية أشهر وثمانية وعشرون يوماً» بالإنكليزية وفي ترجماتها العالمية، أصر على ترداد هذه الجملة، معلناً خروجه النهائي من حصار الفتوى التي رماه بها الإمام الخميني عام 1989 والتي أهدرت دمه وأباحت قتله. بل هو لم يتلكأ عن السخرية من رفع سعر قتله في إيران قبل أشهر فتخطى سعر رأسه ثلاثة ملايين دولار. وفي رأيه أن السعر هذا يرتفع كما في مزاد لا أحد يعلم من وراءه تحديداً، والغاية هي التهويل. حتى المبلغ ليس معروفاً من سيوفره ولا من سيدفعه.

بعد كتابته روايته ما قبل الأخيرة وعنوانها «جوزف أنطون» شعر رشدي أنّ عبء الفتوى الذي أقض حياته ليلاً ونهاراً وأرهقه طوال أعوام، زال فعلاً. كانت تلك الرواية بمثابة فعل «تطهّر» من أحوال الخوف والرعب والقلق التي طاردته، وفيها سرد تفاصيل المحنة التي عاشها شخصاً وكاتباً منتحلاً ملامح البطل الذي شاءه نسخة عنه ولكن باسم أجنبي هو جوزف أنطون. شفي رشدي من حمّى الفتوى الخمينية بعدما أنهى آخر سطر من هذه الرواية الأوتوبيوغرافية واستعاد السلام الداخلي الذي كثيراً ما افتقده. ومنذ اختياره العيش في نيويورك بدءاً من العام 1999، لم يواجه حادثة أو اعتداء. لكنّ ما يزعجه هو نظر القراء إليه وإلى أعماله من زاوية الفتوى. يريد أن يكون الكاتب سلمان رشدي فقط وليس الكاتب الذي حلت عليه الفتوى الخمينية.

يهاجم رشدي داعش والقاعدة ودونالد ترامب، وفي نظره أن تنظيم داعش بات في الرمق الأخير، وسقوطه أضحى وشيكاً، وقد يفقد خلال عام الأراضي التي يسيطر عليها. لكنه لا يبرئ الغرب من التواطؤ في كل قضايا الشرق الأوسط. ويسترجع ظاهرة الخميني قائلاً: «لو لم يعمد الغرب إلى خلع الشاه هل كان ليأتي الخميني؟».

استعاد رشدي في أعوام السلام الذاتي والهدوء كيمياء مخيلته فكتب روايته الجديدة في جو سحري ومتوهم، ولكن غير منفصل عن التاريخ والواقع. وليس عنوان الرواية إلا «تفكيكاً» لعنوان «ألف ليلة وليلة» وإعادة كتابته في طريقة حسابية أخرى. وهذا ما يدل على الأثر الذي تركته فيه حكايات شهرزاد الضاربة جذورها في سديم الغرائبية الشرقية القديمة. لكنّ رشدي يؤمن أن الأدب الغرائبي يجب ألا ينفصل عن الواقعية، فإذا لم يوجد الواقع تمسي الغرائبية بلا قيمة. ولعل هذه المعادلة هي التي وسمت صنيعه الروائي وجعلته يقترب من الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية ومن السوريالية الفرنسية والهندية. ومن يقرأ روايته الجديدة يصعب عليه فعلاً تصور ابن رشد الفيلسوف العقلاني والمتنور يتزوج من جنية وينجب منها سلالة. ويصعب عليه أيضاً تخيل مخلوقات بشرية تمشي مرتفعة عن الأرض سنتمترات. لكن الرواية القائمة على التخييل والفانتازيا هي في الآن نفسه رواية سياسية ومدينية ورواية أفكار. ابن رشد يحضر كفيلسوف صاحب آراء ومواقف تنويرية ويساجل الغزالي في «تهافت التهافت». أما العصر الراهن فيحضر بشدة في الرواية وهو عصر الانحرافات والفضائح، عصر العنف والشر، العصر المتراوح بين نزعتين: العقلانية واللاعقلانية. ولم يكتف رشدي بجو «ألف ليلة وليلة» الغرائبي بل استوحى أيضاً بناءها المتداخل الحلقات لينسج الحكاية من قلب الحكاية.

يعي سلمان رشدي خطر الكتابة في عصر سريع الإيقاع، دائم التحول، حافل دوماً بالمفاجآت واللامتوقع، ويرى أن من الصعب جداً كتابة رواية قادرة على البقاء في مثل هذا العصر المتغيّر والمتقلّب. لكنّ هذا العصر الهجين لم تعد تليق به سوى الكتابة الهجينة. إنها الكتابة التي لا حدود فيها بين عمل المخيلة وعمل العقل. لو لم يصدر الخميني فتواه الشهيرة ضد سلمان رشدي هل كان صاحب «أطفال منتصف الليل» ليتمتع بما يحظى به الآن من شهرة ورواج؟ حتماً إنّ كتّاباً كباراً يحسدون رشدي على «هدية» الخميني التي بدت أكبر كثيراً من جائزة نوبل وشهرتها.

تعليقات الموقع

  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • [fbcomments]

جميع الحقوق محفوظه لـ صدى العشاق